.

مهاجرة نحو النهاية

.




حكايتي بكل أسف حكاية شابة هاجرت بحثا عن عالم جديد، عالم حر يمكنه أن يساعدها في إيجاد شريك مناسب عجزت عن العثور عليه هنا في الوطن الأم. لكن رحلتي تلك لم تكن موفقة بالقدر اللازم، بل كانت كارثية بكل المقاييس، فقدت فيها الكثير ولم تمنحني شيئا سوى الدمار.
حملتني الحافلة ذات صباح ماطر نحو الديار الإيطالية، بعد أن بعت حصتي مما ترك أبي من عقارات وسيولة مالية استعملتها للحصول على تأشيرة الدخول إلى أرض الفردوس المفقود كما يسمونها... واستقبلتني أختي التي كانت قد سبقتني إلى هناك حينما تزوجت بمهاجر في إيطاليا يعمل في مجال البناء. وطوال الطريق الذي استمر طيلة ثلاثة أيام أو أكثر بقليل، كانت أحلامي تسبقني إلى حيث أذهب، أبتسم إلى المارة و عابري السبيل، وكأنني أريد أن أخبرهم جميعا بأنني أخيرا سأحقق حلم الذهاب إلى أوروبا حيث الحرية والمال الوفير.

ووصلت أخيرا إلى إيطاليا، ذات مساء مكفهر وجو ماطر وعاصف، كانت أختي وزوجها ينتظرانني في مكان الوصول، وقصدنا جميعنا منزلهم المتواضع... لقد صدمت لأول وهلة من منظر البيت ومنطقة تواجده، قرية صغيرة أنشطة سكانها تختصر في الفلاحة ولا شيء غيرها. لكني ابتلعت الصدمة الأولى واستمر بي المقام عند أختي وزوجها، إلى أن جاء يوم صارحتني فيه أختي بحقيقة مفادها أن الإقامة ببلد المهجر تستلزم التوفر على عمل، لأن كل شيء هنا بمقابل، وليس الأمر سهلا كما في المغرب، فهمت قصد أختي وفهمت أنه يتوجب علي البحث عن عمل حتى أساعدهم في مصاريف البيت، أو إن كان حظي وفيرا فسأتمكن من العثور على عمل جيد يسمح لي بالحصول على مسكن خاص.
بداية النهاية
بدأت رحلة بحثي عن عمل في المدن المجاورة، كنت أتبع حدسي وأحاسيسي، معتمدة على بعض المعارف من جهة زوج أختي، وكان الحظ حليفي حينما عثرت على عمل لدى صاحب مزرعة أساعده في الاعتناء بزوجته المريضة. ودمت على هذه الحال إلى أن انتهت صلاحية تأشيرتي وبدأت التفكير في كيفية الحصول على عقد عمل لكي أقيم بالديار الإيطالية بشكل قانوني، فساعدني صاحب المزرعة الذي كنت أعمل لديه. ولم تسعني الدنيا فرحا بهذه المساعدة فأيقنت حينها أن حياتي ستتغير حتما نحو الأفضل، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
عدت إلى المغرب لأجل القيام بإجراءات العودة من جديد حسب القوانين الجاري بها العمل، ودام الأمر شهرا كاملا، مكثت خلاله عند أختي التي كان يجمعني بها، إلى جانب علاقة الدم، مشروع تجاري مشترك، أخبرتني حينها بأن مداخيله قليلة وأنه على حافة الإفلاس، وجاء اليوم الذي حصلت فيه على الوثائق المطلوبة، وعدت إلى هناك، عبر الباخرة، التي دامت رحلتي بها أيضا ثلاثة أيام، التقيت خلالها بشاب مغربي مقيم بالديار الإيطالية أيضا.
وهنا بدأت قصتي الأليمة.. التي تخيلت لأول وهلة أنها ستكون فرحة بعثوري على رجل يملأ حياتي ووحدتي. لقد كان شابا مليئا بالحيوية، وسيما، تبدو عليه آثار ثراء متوسط، لديه سيارة، وهو الآن في طريق عودته بعد عطلة قصيرة كانت بهدف زيارة والدته وأخته بالمغرب. واستمر الحديث بيننا طيلة زمن الرحلة. وقضينا أوقاتا ممتعة جدا برفقة بعضنا، عبر لي خلالها أنه معجب بي وأنه يبحث عن «بنت الحلال» ليكمل نصف دينه، لكنه لم يجدها بعد.. ولا أخفيكم أنني بيني وبين نفسي تخيلتني تلك الـ «بنت الحلال»، ورسمت قصورا من الأحلام السعيدة ووضعت نفسي في وسطها برفقته، ظنا مني أنه هو الرجل المناسب لحياتي.
وانقضت الرحلة وتواعدنا على اللقاء، وبعد أن سويت وضعيتي القانونية وعثرت على بيت مستقل، وهنا بدأت الحكاية. توالت لقاءاتي بصديقي وفي لحظة ما اتفقنا على الزواج... فاتحت أختي وزوجها بالموضوع، على اعتبار أنهما كل عائلتي ببلاد الغربة والصقيع. لكن رد فعل زوج أختي لم يكن متوقعا، فقد رفض بشدة هذا الارتباط واتهمني بأنني أريد أن أتزوج بأول العابرين، وأنني لا أفكر في مصلحتي، والكثير من الكلام الذي آلمني كثيرا... لكنني في النهاية اتخذت قراري، لأن التفكير في مستقبلي كان كل ما يشغل بالي.. لقد كنت أتمنى بدوري أن أكون أما، وأن أفرح بهذا الإحساس قبل أن أفقد الأمل في الحمل والإنجاب، فلقد قارب سني تلك المرحلة حيث أصبح غير قادرة على ذلك... وكان هذا الأمر يشغلني كثيرا. وكان أن تزوجنا، وتركت منزلي وبعت أغراضي وذهبت للعيش معه بعد عقد زواجنا لدى المصالح الإيطالية. لأنني لم أعترض على الأمر ولم أتشبث بعقد الزواج لدى المصالح القنصلية المغربية هناك، وقبلت بالأعذار التي قدمها لي حينها... وبدأت رحلة العذاب على الأرض.

انهيارات متتالية
اكتشفت بعد فترة بأن البيت الذي نقيم فيه هو بيت صديق له، وأنه فقد عمله في الفترة الأخيرة، ولذلك أصبح يطالبني بالمال الذي أتقاضاه من عملي، كما أصبح عصبيا بشكل لا يطاق... وجاء حملي ليزيد الطين بلة، نعم لقد حملت دون أن أفطن للأمر، ولم أتدارك أمر الاهتمام بصحتي في خضم كل هاته الظروف إلا بعد مرور كل تلك الفترة. والحقيقة أنني رغم آلامي النفسية شعرت بفرحة لا توصف.. لكن فرحتي تلك اصطدمت بعدم رضى زوجي عن هذا الحمل، فقد طلب مني أن أتخلص منه بأقصى ما يمكن... لكنني تشبثت بحملي وبطفلي أو طفلتي المرتقبة ولم أشأ أن أذعن لرغبته، رغم المعاملة السيئة التي عاملني بها في تلك الفترة. لكن صبري وتحملي لذلك الرجل نفذ ولم أجد بدا من اللجوء إلى أختي التي استقبلتني ونظرة الشماتة ظاهرة في عينيها، إضافة إلى زوجها الذي أمطرني بكلام جارح، ليذكرني بتحذيره لي أول الأمر وقبل أن أقدم على خطوة الزواج.
وتحملت المكوث عند أختي لفترة قصيرة، لأنني شعرت بأنني غير مرغوب بي في بيتهم. وطوال مكوثي عندهم لم يتصل بي زوجي ولو مرة واحدة للاطمئنان على صحتي أو أي شيئ آخر... لقد كانت قسوة الزمن وقسوته وقسوة أختي وزوجها قاسية جدا علي، لم أستطع تحملها. وجاء خبر وفاة أمي. وحزمت حقائبي وعدت إلى المغرب على أمل أن أعود منه إلى بيت زوجي وتعود الأمور إلى حالها. لكنني حينما عدت لم أجده هناك، بل وجدت صديقه الذي أخبرني بأن زوجي أخذ كل أغراض البيت ورحل إلى المغرب للاستقرار هناك... كانت صدمتي كبيرة جدا خاصة وأنني كنت على أعتاب وضع حملي، ولم أجد بدا من العودة إلى بيت أختي حتى أتجاوز كل ما يحدث وأستجمع قواي بعد الوضع.

فرحة لم تدم
وجاءت طفلتي الجميلة، أملي الكبير والحدث السعيد الذي انتظرت قدومه منذ زمن، ملأت علي عالمي وكل حياتي، لكنني حينما كنت أنظر في عينيها، لم أكن أستطيع مغالبة دموعي، لأنني كنت أحلم بأن أوفر لها بيتا ودفئا أسريا جميلا تنمو وتترعرع فيه، بيت تملأه السعادة والحب يجمع بين طرفيه.. لكن للأسف لم تتحقق أحلامي تلك، ووجدتني أعيش حياة بائسة، أستجدي فيها لقمة العيش لي ولها.
طال بي التفكير وقررت العودة إلى المغرب، فعلى الأقل هناك لدي نصيب من مشروعي المشترك بيني وبين أختي، سأتمكن بفضل مداخيله من العيش بكرامة، ولن أمد يدي للآخرين أستجدي منهم ما يسد جوع صغيرتي وجوعي.. لكن حضن بلدي لم يكن رحيما بي هذه المرة، وكان أكثر قسوة مما لقيته ببلاد الغربة. لقد استولت أختي على نصيبي في المشروع، وواجهتني بالوثائق والدلائل، لقد قالت بأن المشروع قد فشل، وأنها لم تجد بدا من بيع الأصل التجاري، الذي سددت بثمنه الديون التي تراكمت عليها، مما يعني أن لا نصيب لي وأنه لم يتبق هناك مال يذكر بعد تسديد الديون، لم أصدق في البداية ما واجهتني به أختي، وأيقنت بأنني حتى ولو توجهت إلى أقوى محاكم العالم فلن أجد الطريق لاسترجاع حقي الذي نهب في غفلة مني حينما كنت أبحث عن الحب والسعادة والهناء في بلاد الغربة. لم يكن الأمر ضعفا، ولكنه كان بالأحرى ضعف ذات اليد، فأنا لم أعد أملك الآن إلا ابنتي وبطاقة الإقامة في بلد غريب لم يعد يربطني به سوى طابع رسمي ولا مكان لي فيه.
سمحت لي أختي، بكرمها المعهود كما قالت، بالمكوث عندها لبعض الوقت، كنت أصطنع الابتسام في وجهها، وكيف لي أن لا أفعل وأنا لا بيت يأويني وأنا في بلدي؟ وعدت مرة أخرى إلى إيطاليا بعد أن بعت بعض الحلي القليلة التي بالكاد مكنتني من تذكرة سفر على حافلة عبر الطريق البري، وقصدت مكاتب المساعدة الاجتماعية، قصدت الكنائس، قصدت كل من أعرفهم لكي أحظى بسقف يأويني وابنتي، وفي النهاية استقر بي المقام في دار لرعاية العجزة ومن لا مأوى لهم، أعمل فيها بشكل تطوعي مقابل أن تكون لي غرفة تأويني مع ابنتي الصغيرة. فلم يعد لي شيء؛ لا بيت ولا زوج، أو عائلة أو أي شيء... وهكذا شعرت بأنني انتهيت وأصبحت جزء من ماضي أشخاص لم يعد لي وجود في حياتهم. واستسلمت لقدري، كما آمنت بأن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
يمضي شريط حياتي اليوم أمام عيني كفيلم قديم، انمحت أسطر الفرحة ولم يتبق منه إلا الدمار، أراقب ابنتي تكبر أمام عيني، وأحاول أن أكون لها الأب والأم، في غياب أب انقطعت عني أخباره ولم أعد أرغب في معرفة أي شيء عنه، كما أنه بدوره لم يحاول... هي هكذا حياتي، تحولت في فترة وجيزة إلى لا شيء، ولا معنى، أصبحت عجوزا لا تنظر إلى نفسها في المرآة إلا نادرا جدا، أقوم بعملي بكل آلية، وأحاول أن أبحث عن مستقر لي ولابنتي يقينا غدر الزمن مستقبلا، فلم يعد يفرحني شيء سوى أن أراقب ابنتي وهي تسرد علي ما قامت به طيلة نهارها بالمدرسة، وأمني نفسي بأن أوفر لها كل ما قد تحتاج إليه، وأن أكون لها أما صالحة، تغنيها عن البحث عن أب مستهتر لم يرغب يوما في مجيئها لهذا العالم... كما تغنيها عن البحث عن جذور عائلة لم تكن لأمها نعم الأسرة...
 

أضف تعليقك؟

=============================

.





تم تطوير القالب بخبرات عربية : جميع الحقوق محفوظة لـ الزمن الجميل :